Sunday, September 19, 2010

ولد شوتال الفقر

ولد شوتال الفقر
قالت له بصوت آمر ورثته عن أهلها  سكان الصحراء : عليك أن تبني لي بيتا  ، لك وللصغار الذين سيأتون ، فلتنحته ولو على الجبال لا على تخوم السراب كعادتك دوماً ! .. ثم رحلت بعيدا جداً . وقتها لم يكن يملك غير بضع حبات من الحنطة يختلس النمل منها حبة .. ، حبة ... ، حبة كل صباح ، وطاولة مستديرة عليها الكثير من الصلصال و إزميل ومشروع نصب لطائر جديد كان ينوي أن ينحته في هذا النهار قبل أن ياتيه صةتها حاملاً كل اللعنات التي قيلت في تاريخ  البشرية دفعة واحدة . ودّ لوكان باستطاعته ان يسكتها باحد تلك الالفاظ التي كان سمعها من أخيه الأصغر أو أن يقطع لسانها من حده بآلة غير حادة ! ولكنه لم يفعل أو يقل كلمة واحدة .
زواج .... زواج ... زواج ، تلك هي الكلمة التي باتت أكثر ترديدا على لسان جميع من في البيت منذ أفتت الجدة قائلة لأبيه : إذا اردت أن ينصلح حاله المائل هذا وتخرجه من هذا  الطين الذي يعكف عليه ساعات وساعات وساعات ؛ ليحيله طيورا وطيورا وطيورا ، طينا متوحدا مع جسده فزوِّجه عند قدوم الخريف !!
ذلك هو ولد شوتال الفقر أو إذا شئت الدقة فقل إن هذا هو الإسم الذي عرف به هنالك عند الضفة الشرقية للنيل . قيل إنه بإدمان من لا يدي كان يأكل الطين ، اقصد ذلك الطين الأسود اللزج . يأكله منذ أن تبتل الأرض بقطرات المطر الأولى إلى عند آخر قطرة قبل الجفاف . كانت الجدة ترقُبُه وتترصده وتعاقبه كذلك كلَّما وجدت بقايا الطين محشورة بين أسنانه ، تمسك رأسه بيد وتفتح فمه باليد الأُخرى بينما وسطه عالق بين رجليها العظيمتين ، ضاغطة عليه بشدة حتى لا ينسل راكضا وهاربا من عقابها المحتم ، تأمره أن يفتح فمه عن آخر اتساعه، أن يرفع لسانه لأعلى , يحركه ذات اليمين ، ثم ذات اليسار ، وما ان تلمح ذلك الشيئ الأسود الكريه كما تصفه هي ؛ حتى تصفعه بقوة وهي تضغط على أسنانها التي أكلها الدود كما كان يقول ولد شوتال الفقر ويصر ويقسم أن أسنان الجدة لم تتآكل بفع لالسوس كما كان الجميع يعتقد ، بل أكلها الدود . ويصر على أن ذلك كان بايعذ منه ، وأن دود الأرض كلها في انتظار الجدة تحت ........ تحت الأرض ! . كل أفاعيل الجدة لم تثنيه عن أكل الطين بل صار يصنعه أشكالا ً على هيئة حلوى أحياناً وخبز وقطع سكر مستطيلة ؛ ليصبح أشهى ويلتهمه ملونا أحينا بما يعصره من أوراق الشجر حيث تعمه رائحة الكلوروفيل !
كنا نجلس أما كونه الهائل الضخامة ، أقصد كان يجلس هو أمام حامل قد شدًّ عليه قطعة قماش بيضاء وحوله الكثير من الطيور قبل أن أجيئ أنا . قال : من هناك ؟ . لم يأته الرد ولم يكن بوسعه أن يرى ما خلف  اللوحة دون أن يلتفت عن ألوانه قليلاً ، ففعل . قال بشيء من الضجر وهو يعاود تحريك الفرشاة على قالب الألوان الممزوجة : قل ما تريد ثم عد إلى حيث كنت ،لا تنتظر مني رداً أو كلمة أو تعليقاً ، فقط  قل وامضي ، وإياك أن تعبث مع طيوري أو بها . قلت : ارسمني . قال : انصرف . جلست ، قلت : ارسمني وسأدفع لك ، أنا على عجلة من أمري ، أتيت في مهمة عاجلة ، لاتكن على عجلة من رسمك ؛ فتصورني مسخاً مثلك ... ثم ضحكت . نظر إليًّ  بغضب ولكي يتخلص مني فقط أخذ يرسمني بخطوط متسارعة !
كان الأزرق هو اللون الذي يطغى على اللوحة ، أعني هذا العبث الذي صنعه بي أو صنعته بنفسي ، لا أدري !
نصف مسخ أنا ، أخطبوط ملعون ، عقرب سوداء ، عجل أحمق ، دجاجة مصابة بالرًّمد ، دودة فقدت حاسة الشم فنحل جسمها من الأسى ! ، قوعاً يتدحرج في كركرة مزعجة وبغباء أيضاً ؛ حتى ينشق نصفين فيصمت . ابتعت عفرتي هذا من ولد شوتال الفقر بعشرين جنيهاً كاملة ، ياللجنون !!وكل طيوره الثملة أو التي قد قتل النعاس مقلتيها بستين جنيها أخرى . ظنني مجنونا ً أو معتوهاً من الذين تُلقي بهم الصحراء إلى جوف النيل ، دون أن يعلم  أنني رحمة بالجدة وبه أُخلصه من هذا كل هذا الطي ن الذي يملؤ كونه وكوبه وكل ما كان حوله وكل ما كلن فيه .
عاد فرحاً إلى الجدة وهويلوح بالمال في وجهها ويقفذ أمام أبيه ، ويتقافذ اتجاه أمه كذلك الحيوان المفلس الذي يسمونه الكنقر ! . يصرخ : زوجوني ... زوجوني..... زوجوني ، ويقفذ ... ويقفذ ؛ فيسقط البنطال عن الخصر تماماً .
حامت الجدّة كل النواحي دون أن   تجد من تقبل بولد شوتال الفقر زوجا لها ، المبروكة ، بت أم جر ، نفرين ، ست البنات ، النايلة ، كُراع الخريف ، الوطيفة ، أم سيل ، وكل " العوين " لم يقبلن به ورفضنه رفضا باتا لا يقبل الفصال حتى أنَّ الجدة عندما ذهبت حين أعيتها الحيل لخطبة فرع الشام التي كان يضرب بها المثل في القبح رفضته هي أيضاً وقالت : إنه يا أبي كذلك الرجل الذي ركب على الحمار ثم أخذ يسأل عنه هنا وهناك ! وكان حظه ، بل قدره أن قبلت به إحدى نساء الصحراء اللاتي لم يعتاد الناس هنا مصاهرتهم في أغلب الأحيان لتلك القسوة التي اشتهرن بها على طول النيل . أقسمت الجدة أن هذه الزوجة ستأدب ولد شوتال الفقر كما لم تفعل هي أو أمه .. كان الجميع في انتظار الخريف ليزوجوه ؛ وعندما هطل المطر و هطل وهطل ، كان لديه ابن وابنة والكثير من الطين ينتظر أصابعه وإزميله ولعنات الزوجة والجدة والأم والعفاريت وصخب الشمس .
سـاقٌ وثلاثـةُ أذرعِ

خرجَ من العملِ بعد نهايةِ الدوام متوجهاً إلى البيتِ. وقفَ فى إنتظارِ المواصلات. تأخرَ البصُ كثيراً لم يستطعْ تحمل أشعة الشمس أكثر من ذلك . نظر إلى ساعتهِ، كانت تشيرُ إلى الواحدةِ والنصف ظهراً، إذاً لم يمضى على وقوفه بالمحطة سوى خمس دقائق فقط ورغم ذلك فقد أصابه ملل الإنتظار. فالثوانى كانت تمرُ بصعوبة ، فمع كل قطرة عرق تتصبب من جبينه كان يرتفع ثيرمومتر الضيق بداخله ، فالبص لن يأتى قبل عشر دقائق أُخرى على الأقل . أخرج منديلاً ومسح العرق من على جبينه ووجهه .لم يجد بداً من استقلال عربة أجرة للفرار من هذا الجوّ الخانق .
وصل إلى المنزل بعد معاناة كبيرة من ازدحام الطريق. توجه فوراً إلى الثلاجة . تناول قارورة ً من الماء ،رفعها إلى فمه وأخذ يشربُ و يشربُ حتى أفرغ القارورة تماماً . تناول أُخرى وصبها على رأسه . جلس على أحد المقاعد , أخذ نفساً عميقاً ثم قال : لماذا لم يخترع هؤلاء الأغبياء شيئاً يحركون به مايسمى بخط الإستواء هذا بعيداً عنا ؟ أو يأخذوه هناك حيث البرد القارس والثلوج ! فنحن بالطبع لن نمانع . ولمذا نمانع ؟ فهم يأخذون كل ما يريدون دون إستئذان , ولا أظنهم أهدونا هذه الإختراعات إلا ليأسروننا بها , فهى تحتاج إلى كهرباء والكهرباء تحتاج إلى مولدات والمولدات تحتاج إلى وقود وهكذا سلسلة بلا آخر تماماً كهذا العطش الذى لا ينتهى . حمل خطواته ِالمتثاقلة إلى غرفته , خلع ملابسه إلا قليلاً وهوى على السرير . كانت هى تدور معتمدةً على ساق واحدة وتفرد أذرعها الثلاثة لتحتضن بها الهواء . أخذ يتأمل ساقها الطويلة العارية و أذرعها البيضاء . فبدت له كراقصات الباليه ولكن بلا بدلةٍ للرقص فقط بملابس صيفية ! كانت تدور عكس عقارب السكون , تحرك غطاء السرير وتداعب الستائر على النوافذ . قال لها وحمى الرقص تصعد إلى رأسه : لماذا تصرين على التعلق بغيرى؟ بالرغم من أننى لا أستطيع مفارقتك خاصة فى مثل هذه اللحظات الساخنة ؟ أتفضلين هذا الحائط الذى تتكئين عليه علىّ أنا ؟ لم تجب على أىٍ من أسئلته فقد كان الوقت للرقص فقط . فغداً يأتى الشتاء ولن تستطيع وقتئذٍ سوى الوقوف , فمتعة الرقص فى أن يكون صيفياً . كانت تصله أنفاسها العطرة فتخفف من سخونة الطقس . انقض عليه النعاس فنام . أخذ يحلم فرأى أزهار الشتاء وهى تسير بجواره على الرصيف وهو فى طريقه للعمل . وصل والأِبتسامة لاتفارق شفتيه , يخاطب العملاء بكلمات رقيقة فيقول : هل من خدمةٍ أُسديها لك ؟ بدلاً عن قوله : ماذا تريد ؟ . إ نتهى الدوام , وقف فى إنتظار البص دون أن يشعر بالملل إذ لا شمس يقطّب لها جبينه ولا عرق يتصبب . صعد إلى البص . جلست بجواره إمراةً تحمل طفلاً لم يتضجر من صراخه , إشارات المرور لم تكن بذلك الغباء الذى كان يراه فيها , فاللون الأحمرلا تشعر كم هو سخيف إلا فى الصيف . بدا له أن ملابسه قد إبتلّت فجأةً . نظر إلى السماء , لم تكن تمطر , بدأت درجة الحرارة ترتفع من حوله , نظر إلى الطفل , لم يكن هو مصدر ما يشعر به . إزداد الجوّ سخونةً , أخذ جبينه يتفصد عرقاً فاستيقظ . كان العرق يتسلل من تحت ملابسه , نظر إليها فوجدها قد كفت عن الدوران , مدّ يده إلى الحائط وضغط على زر التشغيل ولكنها لم تدر . ضغط فى مكان آخر على الحائط فلم يضيء المصباح وضع يده على رأسه وقال : آه لقد إنقطع التيار الكهربائى اللعين إذاً فتوقفت عن الدوران , ماذا أفعل ياإلهى ؟؟
وعلى غير العادة , عاد التيار سريعاً وعادت هى تمارس هوايتها المفضلة فى اللّف والدوران . بدأت من جديد تدفع الهواء فى إتجاهه حتى عاد إلى النوم . أخذ يحلم هذه المرة بحلقة أُخرى فى سلسلة أسره الإلكترونى , بإختراع آخر يسمى الطاقة الشمسية لايعكر عليه صفو أحلامه الأُخرى .

دِيدَانُ الأَرْضِ... مَطَرُ السَّمَاءِ


الأَرْضُ هُنا طِينيةٌ لزجةٌ ، سوداءُ ذات ثُقُوبٍ ناتئة بَعْضَ الشّيْءِ ، كَعِظَامٍ نَخِرَةٍ لِوَجْهٍ لَمْ يَعُدْ بِه ِمزْعَةُ لَحْمٍ . كَعُلَبِ صَفِيحٍ صَدِئٍ ، مُصْطَفّةٌ في غَيْرِ انْتِظَامٍ ، مَحْشُورةً جَنْباً إلى عقبٍ وبِمسَاحَاتٍ لا يَتنفسُ فيها حتى النَّمْلُ ! .
الجُدران ُحِجَارة ٌمُتراصة فَوْقَ بَعْضِهَا ومشققةٌ ، لَمْ تَعْرِفْ طِلاءً سِوَىَ البُؤس ِ، ولمْ تُرَدِدْ صَدَاً أبْعدَ مِنْ صَوْتِ شخيرٍ يرتفعُ مِنْ جسدٍ مُتْعبٍ مُلْقى عِنْدَهَا ، لا يلتحفُ سِوى الضجرِ ولا يُدثِرُه ُغَيْرَ أملٍ يُومِضُ هباءً في قَرْيةٍ قد أفْلسَتْ أرْضُهَا ؛ فباتَتْ مَصْنعاً للحُزْنِ يَنْعَقُ فيه البوم .
الجميعُ هُنا بِلا ذاكرةٍ ، وقدْ يعيشون َبذاكرةٍ لا تحملُ أيَّ تصاويرَ لرهقِ أزقة مُنْتَصَفِ العُمرِ ، فَقَطْ وفي رُكنٍ قصي مِنْ الذاكرةِ يتناثرُ رمادُ حرائقٍ لا يقفونَ عِنْدَها كثيراً . ليسَ لَدَيْهِمْ ما يَمُوتُونَ مِنْ أجْلِهِ ، ولا ما يَعِيشونَ لَهُ . جَمَعتْهُمْ هَذِهِ الرُّقْعَةُ مِنْ الأرْضِ ، كبُقْعَةٍ ِللْعَبَثِ قَانُونُهَا الأَوْحَدُ هُو المَوْتُ قبْلَ فواتِ الأوانِ !
لَمْ أكُنْ أنَا استثناءً ، كُنْتُ مِثْلَهُمْ تماماً ، مِنْ ذاتِ الثقوبِ أخْرُجُ صباحاً ، حذائي مُمَزقٌ وثقيلٌ جداً ، قطعةُ قماشٍ لمْ أعدْ أذكرُ كَيْفَ كانَ لَونُها في الماضي ،هي الآن سَوْداءُ باليةٌ ، تَتَدلى مِنْ تَحْتِ قُبعةٍ مِنْ القشِ أضَعُها على رَأْسِي وبأصابعَ خَشِنةٍ أُمْسِكُ بقطعةِ خُبْزٍ جافٍ . متوجه ٌ نَحْوَ الإسطبلِ حَيْثُ حِصَاني الّذي قَدْ شَاخَ مِثْلِي وصَارَ النّوْم ُهوايته الوحيدة . أجُرُ عَرَبَةً خَشَبِيةً تئِنُ دَوَالِيبُهَا مُحْدِثَة صريراً مُزْعِجَاً لأشدها إلى ظهرِه ثُمّ أجلسُ مُمْسِكاً باللِّجامِ ، سائراً عَبْرَ أزقةٍ ضيقةٍ مليئة ببركِ المياهِ نَحْوَ السُّوقِ . مَحَطَةُ القطارِ تبْدُو أكْثَرَ ازدِحاماً ، عُمّالُ المصانع بـ(أبرولاتهم) المَلِيئة ببقعٍ زيتيةٍ سوداءَ ، تلاميذٌ صغارٌ على ظُهُورِهمْ حقائبَ مِنْ القُماشِ ، نساءٌ يَحْمِلْنَ بضائعَ زَهِيدةَ الثّمَنِ ؛ ليَبِعْنَهَا على أرْصِفَةِ المدينةِ ، يَتوسّطهُنَّ إسكافي ٌصغيرٌ قدْ نَسِيَ أنْ يَخِيطَ حذَاءَه ؛ فبرزتْ أصابِعُ قَدَمِهِ المُشَققة . و عِنْدَ بابِ الخروجِ الآخر على الشاطئِ ، مَرَاكِب ٌشِرَاعِية ٌ تَعْبُرُ بِمَنْ يقفُونَ هُناك نَحْوَ الضَفَّةِ الأُخْرَى لليأسِ ، وقوارب ٌلِِلْصَيْدِ تستنفذُ كُلَّ الصبرِ للحصولِ عَلَى سَمَكَةٍ !
يَنْشُرُونَ ِشبَاكاً أكَلَها الجُوع ُُفهَضَمتْهُ . وفي الأزقةِ مِنْ خَلْفِنَا يَجْلِسُ أُناسٌ في انتظار الشمسِ ، أعْرِفُ أعضاءَهُمْ المَبْتُورةِ ، وتِلْكَ المُستَعارة ُ أيْضَاً ، يُمارِسُونَ الثرثرة َولُعْبةَ الوَرَق ِلا أكثر .
أتَوقَفُ عِنْدَ مَدْخَلِ السُّوق ِ، في انتظارِ راكبٍ لا يأْتي ، يَنتصفُ النَّهارُ ، أشعةُ الشَّمْسِ تَلْفَحُ ظهرِي وليسَ هُناك بَعْدُ مَنْ يطلبُ خدماتي ، أتَحَرّكُ نَحْوَ الظلِّ وبَواباتُ اليَأْس ِترتفعُ شاهقةً شَيْئًا فشيئاً ، وقبْلَ أنْ تحْتجبَ الرُؤيةُ تماماً يصيحُ بي رجلٌ تَجَاَوزَ العِقْدَ الخَامِسَ مِنْ عُمرِهِ ، فأجذبُ اللّجامَ مُغيراً وِجْهَتِي . يقولُ الرجلُ : حمِّل هذهِ البضائع َوأوْصِلْها إلى محطةِ القطارِ . المحطة تحتاج إلى مسيرِ ساعةٍ كاملة ، وساعداي لَمْ يَعُدْ لهما القُدرةُ على حملِ كُل هذه الجوَّالات ، ولكِنْ لا بأسَ فمشوارٍ كهذا سيعودُ بنقودٍ تُوفرُ عليَّ مشقةَ مواصلةِ العملِ في هذا الحرُ الخانق، وسأعودُ بَعْدَها إلى المنزلِ مُباشرةً ، أقولُ ذلك في نفسي وظهري يكادُ ينوءُ بِمَا حَمَلَ ، وقَبْلَ أنْ تدورَ عجلاتُ العربةِ يقولُ الرجلُ : عشرون جنيهاً لِهذا المشوار وليسَ أَكثر ، تَرْتَسِمُ المِئاتُ مِنْ عَلاماتِ التعجُبِ عَلَى وجهي ، عشرون جنيها فقط ! هلْ تَمْزَحُ مَعِيَ ؟ . ليقول في تهكم : إذا لَمْ يُعجِبُكَ الثَّمَنُ أعِدْ البِضَاعةَ وسأبْحَثُ عَنْ حُوذِيٍ آخرَ يقْبَلُ بِنِصْفِ هذا المبلغ . هكذا بكلماتٍ فَقَطْ أجِدُ نفسي بَيْنَ المِطْرَقَةِ والسِّنْدَانِ .
يسيرُ الحِصانُ مُتثاقلَ الخُطَى ، حبَّاتُ العرق تتصبَبُ مِنْ جَبيني وأنا أحثُهُ عَلَى الرَّكْضِ بالتَّلويحِ بالسَّوْطِ في الهَواءِ ، وهو لا يأبَهُ بذلكَ فأضرِبُهُ كَمَا لَمْ أفعلْ مِنْ قَبْل . أِصيحُ مِنْ خَلفِهِ قائلاً : سِرْ أيُّها العَجُوزُ الأحمَقُ ، إنَّكَ لَمْ تَعُدْ تَصْلُحُ سِوى طعامٍ للطحالبِ ! .
أخيراً أنَاَ هُنَا عِنْدَ مَحطَّةِ القِطَارِ حيثُ ينتظرُنِي ذلك الرجُلُ . ألفظُ لَهُ بِضَاعتَهُ وأعودُ إلى السُّوق لَعلِّي أظْفَرُ بجنيهاتٍ أُخرَى . يُسرِعُ الحِصانُ هذه المرةِ وكأنَّهُ أخيراً قدْ أشفقَ على حالي . في منتصفِ الطريقِ تُلوِّح ُ لي امرأة ٌتقفُ على الرَّصيفِ بيدها وهي تُنادِي : أيُّها الحوذي إلى الحي العاشرِ إنْ أمكنَ ، أشدُّ اللّجام بقوةٍ وقبلَ أنْ تقفَ العربةُ تماماً أقولُ دون أنْ أنظُرَ إليها : سيُكَلِفُكِ ذلكَ عَشْرِ جُنيهاتٍ فترفعُ أغراضَها ثُمَّ تصعدُ وهي تُلَمْلِمُ أطرافَ ثوبها الذي تبعثر . عطرُها يُخففُ مِنْ وطأةِ هذا النَّهارِ الخانق ِ. تتحرَكُ العربةُ ِلتبدأَ هي بالثرثرةِ : تشتكي مِنْ غلاءِ الأسعارِ ، تتحدثُ عَنْ البطالةِ وإنْ كانتْ أزمةُ السكرِ ستُحلُ قريباً . نصلُ إلى الحيِّ العاشرِ، تُدسُ في يدي ِقطعَ النُقودِ ، أعُدُّها فإذا هي تسعةُ جنيهاتٍ لا عشرةَ ، أنْظُرُ إليها ! فتُبَاِدُرِني قائلة ً: والله مَا عَنْدِي غَيْرُهَا ، فَأومِئ ُ لها برأسي وأمضي .
تمُرُ سَحَاَبةُ النَّهارِ وليسَ في جيبي غيرُ تِسعةٍ وعشرين جُنيهاً . تمرُّ ساعةٌ ، ساعاتٌ أًخر فتميلُ الشمسُ نحو الغروبِ و تبدأ الحوانيتُ في إغلاقِ أبْوابِها . أُجَرْجِرُ قَدَميَّ عائداً إلى البيتِ ، أشتري بعشرةِ جنيهاتٍ كاملةٍ ما سأطعِمهُ ِلهذا الحصانُ النَّهمُ ، و بخمسةِ عشرِ جُنيها ً سكراً و زيتاً وحباتَ حنطةٍ ضرورية للحياةِ ، أوقِفُ العربةَ خَلفَ المنزلِ ثُمَّ أقتادُ الحِصانَ إلى الإسطبلِ . بَعضُ الماءِ أنْضَحُهُ على جسدِي فأستعيدُ بعضاً حيويتي . زوجتي تسْألُ إنْ كانَ مَعِيَ ستةَ جُنيهَاتٍ لشراءِ دواءٍ للسُعالِ الذي تُعانِي مِنْهُ مُنْذُ أُسبُوع ٍ ، فأجيبها بمزيدٍ مِنْ الماءِ على جَسَدِي ، تُذكِرُني بموعدِ زفافِ شقيقتَها وأنَّها في حاجةٍ إلى تنورةٍ جَدِيدةٍ و .... و... أصبُ دلوَ الماءِ عَلَى رأْسِي دَفْعَةً واحدةً ؛ فلا أسمعُ بقيةَ كلماتِها .
في رُكْنٍ داخلَ المقهى الذي يلفُهُ الهدوءُ إلا مِنْ صَوْتِ مُغَنٍ شعبيٍ يُرَدِدُ إحدى أُغانيات الرعاة . أجْلِسُ وحيداً إلا مِنْ كوبِ شايٍ أسودٍ مُر المذاقِ وأعقابُ سجائرٍ على المِنْضَدَةِ . أطْلُبُ فِنجانَ قهوةٍ ، وآخرَ ، أُشْعِلُ سيجَارَتِي العاشرة والصداعُ لا ينفَكُ يعبثُ برأسي . ودَدتُ لو أخذَ أحَدَهُمْ المطرقة التي خلفَ البَابِ و ضربَنِي بِها على رأسي . أُغَادِرُ إلى ساحةِ القريةِ لَعَلِي أجِدُ هُناكَ مَنْ يَفْعَلُهَا .
رجلٌ قدْ أطلقَ العنانَ لشعرهِ المُجَعَّدِ ؛ فانسدلَ على كَتِفَيْهِ بسوادٍ يتخلله بَعْض الشَّيْبِ ، تتدلى على صدره العاري حلقاتُ سلسلٍ حديدي وعلى كتفهِ الأيسر وشمٌ قديمٌ بنقاطٍ متقطعةٍ . يقفُ بقامةٍ فارعةٍ خلفَ طاولةٍ خشبيةٍ مستطيلةَ الشكلِ تعُجُ بالعديدِ مِنْ الأشياءِ ، يَتوسَّطُها مجمرٌ تتصاعدُ مِنْهُ رائحَةُ البَخُورِ . كانَ يحملُ في يدِهِ زُجَاجَة ، أخذَ مِنْهَا شيئاً و وضعَهُ في كأسٍ زُجاجي آخر فيه بعض الماءِ صبَّ مِنْهُ في كأسٍ ثالثٍ؛ فعلا دُخانٌ ملوّنٌ حَتَى انقطعَ و جَفَ ما في الكأْسِ حجراً أحْمَرَ ياقوتي اللّونِ أخَذَ النَّاسُ يَلمسُونَهُ بأيدِيهم ويَتَعَجبُونَ . فعلَ ذَاتَ الأمْرِ بِماءِ ٍآخرَ فجفَّ حجراً أزرقاً ، وأخَذَ مرةً غباراً أبيضاً ووضَعَهُ علَى سِندالٍ . رَفَعَ المِطْرَقةَ وهُو يُرَدِدُ كلِماتٍ غَيْر مفهومةٍ ثُمَّ ضَرَبَ بِها على الغُبارِ؛ فخرجَ صوتاً أصمَّ آذانَ الحاضِرِينَ ففزِعُوا . أخَذَ قمعاً زُجاجياً ضيق الفمِ غمسَهُ برفقٍ في إناءٍ مُفلطح ٍ مَمْلُوءٍ بالماءِ وأدخلَ مَعها زُجاجةً أُخرى بحركةٍ انحبس مَعَهَا الهواءُ داخلَ الزجاجةِ ، أتى شابٌ صغيرٌ كانَ يقفُ بجوارِهِ بفتيلٍ مُشْتَعِلٍ وقرَّبَهُ مِنْ الزُجَاَجَةِ ؛ فخرجَ الهواءُ المحبوسُ مفرقعاً بصوتٍ عالي . بدأ الشابُ بالطوافِ على الحاضرين ، ماداً يَدَهُ بِقُبعتِهِ ِلنرميَ لهُ بقطعِ النقودِ؛ فتسللتُ بهدوءٍ إلى طرفِ الساحةِ الآخر حَيْثُ ترقصُ إحدى نساءُ الغجرِ عَلَى إيقاعِ طبلٍ ضَخْمٍ يُضْرَبُ بِالعَصَا، وتتغنى بكلماتٍ رَدِِيئةٍ. تَدُورُ هي ؛ فتدورُ أعْيُنُ الحَاضِرِينَ في مَحَاجِرِها ، تُحَرِكُ جَسَدَهَا كبحرٍ مُتَلَاطِمِ الأمواجِ ؛ فَتَشْرَئبُ الأعْنَاقُ حتى مَدَاها ، يَرِنُ صَوْتُ خلخالٍ يُحِيطُ بساقها مُمْتَزِجَاً بِهَمْسِ مُصَوَّغَاتٍ نحاِسيَة ًعَلَى مِعْصَمِها ؛ فتَخفُقُ القلوبُ ، يسْكُتُ نقيقُ الضفادعِ ويسيلُ العرقُ لذيذاً على الرملِ . عِنْدَ فاصلِ رَقْصِها الأخيرِ تَفرِدُ الغجريةُ ثوباً أحمراً أمَامَها فتتساقطُ النقودُ عَلَيْهِ كِسَفاً مِنْ فَوْقِ الرُؤوسِ . أسيرُ في اتجاهِها وبِمحاذاةِ ساقيها أجْلِسُ لأضعَ على الثَّوبِ كلََّّ ما في جيبي ، أربعةُ جنيهاتٍ كاملةٍ ! .
تعودُ الساحةُ خاليةً إلا مِنْ أشباح ٍتلوحُ بعيداً . الكُلُّ قدْ تسللَ إلى ثقوبٍ يَقْضُونَ داخِلَها لَيْلَ سفادٍ مُذْهِلٍ ، كَمَخلُوقاتٍ للنسيانِ لا تشبعُ أبداً. لا يَشْغَلْ بَالَهُمْ ما يَحْمِله الغدُ ، بَلْ يَعْنِيهم أنْ تُمْلأ الأرْضُ ضجيجاً كل مساء ً؛ كي لا ينامَ الآخرون فوْقَ أجْسادِهم بِكُلِ ثقةٍ . لَمْ يبقَ غير ذاك الشيخ الذي يفترش سجادة من جلد الماعز وبجواره رحله ، إبريقُ ماءٍ و مِسْبَحَةٍ والكثير مِنْ التمائمِ والتعاويذِ . يقفُ أمامَهُ شابٌ يساوِمهُ على ثمنِ عِرقٍ ليجلبَ له حبَ فتاةٍ يشتهيها ! . أرفعُ يدي مُنادياً في تهكم : أيُّها الشيخُ المبجلُ أ لَمْ تَفكَ بَعْدُ شفرةَ تعويذةٍ تجعلُ السماءَ تُمْطِرُ خُبْزاً ؟ فيجيبني متودِداً لجيبي الفارغ : لا ، ولكنْ لدي تميمةٌ تجعلُ النساءَ يُنْجبْنَ بإذنِ اللهِ أكثر مِنْ توأمٍ في بطنٍ واحدةٍ ! فأردُ عليه بضحكةٍ كأنَّها صوتُ الموتِ .
أسيرُ عبرَ طريقٍ ضيقٍ ووعر ٍ، ترتطمُ أصابعي بحجرٍ قدْ غطته العُتْمةُ ، يُؤْلِمُني ذلكَ جداً ؛ فألْعَنُ ذلكَ الرجلَ في الصباحِ ثُمَّ تِلكَ المرأةَ المكتنزةَ وكُلَّ مَنْ مَرَّ بِذاكِرَتِي . أزحفُ كدودةٍ عرجاءَ مِنَ الألمِ ، لعَّلها عقوبة تهكمي على الشيخ صاحب التمائم . أصلُ إلى البيتِ و زوجتي مثلي أيضاً قدْ صارتْ دودة تتمددُ نائمة على الأَرْضِ ، متكورةٌ على نَفْسِهَا وتَتَوَسّدُ يَدَهَا ، أبْناؤنا يُحِيطُونَ بِجسدِها المتعب حدَّ الرهقِ كحشراتِ هاموشٍ حوْلَ مِصْبَاح . أتقلب في انتظار نُعاسٍ لا يغشى طرفي من الألم رغم دوامة تعب عالمه المشهود التي يدورُ فيها ، أجلسُ في انتظار صياح ديك جارتنا العجوز ، ولا يأتي سوى نقيق دُجاجاتها ، لم أعد أشعر بأصبعي ، أتحسس إنْ كَاَن ما يزالُ في مَكانه وظهري إلى الجدار ،الألمُ يَتَرَاجَعُ رُوَيْداً رُوَيْداً. قدمي بالكامل وكأن الدمُ قَدْ تَجَمدَ في عروقها ، بلْ نصفي الأسفلُ كُلهُ الآنَ باتَ معطوباً ، نصف تمثال أنا لا غير ، أنْفاسي لمْ تَعُدْ مُنْتَظمة كما كانتْ وكأني أتَنَفُس منْ ثُقب إبرة ،الهواءُ يَهْرُبُ بعيداً عَنْ رئتي ونظراتي الشاردة ُتتبعه ؛ فتعلقُ مسماراً على السقف . تتداعى كلًّ الأشياءِ مِنْ حَوْلِي ، بَيْنمَا عَبَثاً تَصِيحُ الدُجَاجَاتُ دُونَ أنْ يأتيَ الصَّبَاحُ ! .

هبـة الشيطـان

كانت حقاً امرأة الوقوف ليلاً بين أزقةٍ تسرحُ فيها خيالات لصبحٍ ما إن يأتي حتى تكون هي قد عادت لتجلسَ القرفصاء داخل غرفةٍ نسج العنكبوت على سقفها خيوطا ًتتدلى كتعويذة لأيام نحسات تُقرع أجراسها بلا توقف . بالرغم مِنْ سحب الأسى التي تظلل مقلتيها فقد كانتْ امرأة بطعم الجحيم , يكفي أنْ تصافحك فقط لتشعل الحرائق فيك ومِنْ حولك . لمْ يدر بمخيلتي - حين تعرفتُ عليها – أنها لا تنتعل سوى الأرصفة في مدينةٍ كل الطرق فيها لا تنتهي إلى مصب , مدينة تلبس ثوب الحداد على فراشات تحترق نهاراً وتبكي ليلاً أجساداً كأشجار ميتة برغم كونها ما تزال مستوية على سوقها . لم تكنْ هي استثناءاً ، سقطت كورقة توت فحاولت أنْ توهمني بأنها ما تزال تقبع خلف خط الإنحدار ولنْ تعبره قط , فصدقتها . ربما لكوني أُعاني مِنْ رهبة المنحدرات لمْ أحوال أنْ أهبط مستكشفاً تضاريسها وتعرجاتها الخطرة ، وحدها كانت تجيد لعبة الصعود على الغير والسباحة بين المخادع ودون أنْ يشغل بالها فلسفة إنْ كانتْ مثل عود الثقاب الذي لايشتعل سوى مرة واحدة , أو حتى كحطب جهنم التي كُلَّما قيلَ لها: هل إمتلأتِ ؟ تقول: هل من مزيد ؟
كنت أجدها - ودون سابق إصرار – كرياح الخريف التي تحرك أغصان الشجر وتعبث بالنوافذ ؛ لتعطيك إشارة بأنك لست عصياً أو بعيداً على مرمى زخات الهطول, فكيف لي أنْ أتفيأ ظلال إمرأة لمْ تعد سوى صخرة , نحت جميع من مرّوا بها تذكاراتاهم عليها و مضوا , حتى روحها لمْ تعد سوى قطعة إسفنج لا تستطيع أن تستقطر منها أكثر مما إمتصته منك .وقوفها بالقرب من إشارات المرور أفقدها الإحساس بأنَّ هناك متسع في الطريق يسمح بالخروج بعيداً عن الأزقة ، وأنّ الحياة لا تقتصر على الوان ثلاث .
لا أدري كيف وصلت هي إليَّ وأنا الذي عِشت جُلَّ ليالي العمر في سعي وطواف بين أشتات لذكرى إمرأة أخرى لمْ تعد هنا . أ لأنَّها تعوّدت أنْ تعبر كلَّ الإشارات الحمراء وتجتاز كل حواجز القدر استطاعت أنْ تعبر رغم التحفظ ؟ أمْ ترانـي سوَّلـت لي نفسي – ذلك المساء – فعبرتها أنا دون كامل وعي مني! . لمْ أكن مرتاباً قط في كونها محطة للعبور فقط ولاتصلح للوقوف , لذا أعدتها كحقيبة لسفر طويل . رسمتها فاصلة منقوطة ؛ لأضعها بين حياتين إحداهما سبب في حدوث الأُخرى فشدَّتْ هي قوسيها ورمتني بينهما كجملة معترضة لاترتبط بسيا كان شغلها الشاغل أنْ تفعل بوضوح ما يكون في متناول يدها , لا ما يكْمُن غامضاً على مسافةٍ منها .
جمعتُ الحطب لميعادٍ بعدَ الغروب كما يروق لها , وعلى ضفاف النيل كما يروق لي . وضعت الكثير من أغصان السنط الجافة , حففتها بأوراقٍ رطبةٍ مِنْ أشجار الأراك ، ثم جلستُ في انتظارها . كنت أنا وهي وثالثنا القمر يرسل ضوءه الرمادي على سطح الماء، ونسمات الليل تهمس بأسرارِها للنيل فيندفع الموج نحو الضفة ليبوح بما سمع فيتكسر الضوء مابين مد وجزر . دارت كؤوس الذكريات بين الشفاه ولعب السمر بالعقول , فقامت ترقص على ذاكرة لا تجمع فيها سوى شظايا لمرايا لمْ تكن تعكس لي أكثر مما كان يعكسه سطح الماء من جسدها . وقفت أمامي تماماً حتى لمْ يبقى بين وجهي وخصرها سوى مايسمح بمرور الهواء . أخذت تتحدر في رقصها كشلال نيلي هادئ , تحرك إحدى ذراعيها كجناحٍ لطائرٍ نيلي مبلل يهم بالتحليق بعد الحصول على سمكة , وترفع ذراعها الآخر في تقويس حاد , تحرك الريح رُدْنها فتبدو كشراع منصوب على قاربِ صيدٍ صغير . خلعتْ عنها أوَّل قطع زيفها ورمتها على وجهي وهي تضحك ثم اندفعت تدور وتدور مبتعدةً عني . خلعت قطعة أُخرى وعادتْ - بذات الحركة الحلزونية – لتلقيها عليَّ وتبتعد بعد تحدر مواصلة رقصها العدوانى على إيقاع أقدامها غير المسموع وهي تغوص بين حبات الرمل ؛ لتنزعها بحركة فيها من الرشاقة ما فيها ومن الإثارة ما فيها أيضاً حتى أشعلتْ أغصان السنط الجافة فارتفعت حمى الرقص مع صوت طقطقة النار .نزعت ذاكرتها عنها قطعة بعد أخرى حتى تعرّت تماماً ؛ فأخذت تخصف عليها من ورق النسيان ، مدعية أنها ماعادت تذكر المزيد . سكت خلخال الماضي عن الرنين شيئاً فشيئاً حتى صمت تماماً بنهاية الرقص .
جاءت وجلست بجواري , أخذت تحفر بأناملها على الرمل ربما لتدفن تفاصيل لماضيٍ ظنّته صار رماداً وذاكرة قد أتعبتها كثيراً . كانت تريد أن تستعيدني بحيلة الراعي الذي يعزف على الناي ليجمع الماشية حوله ،عزفت على كل أوتار الرجاء , صعدت على كل السلالم الموسيقية وهبطت دون أن ْتحرك داخلي إرادة التصفيق حتى على حسن الأداء. أخذت ترسل الحجارة على نوافذ القلب لتكسر جدار الصمت داخلي أو تحرك بركة لدماء لم يمضي على ركودها سوى كلمات . طال وقوفها تحت نافذة - لم أعد أسكنها – لأمل قد بات هباءاً لا أكثر .
سألتني : أ لن تعود ؟ فأجبتها : ربما ! إذا توقفتي عن التحليق ليلاً . أخذت تجمع ما تناثر من قطع على رمال الشاطيء وترتديها قطعة بعد أُخرى . إنحنت ، حملت حقيبتها وهمت بالانصراف فسألتها أنا : أ لن نلتقي ؟ استدارت نحوي نصف استدارة ، ابتسمت ، غرست أصابعها في شعرها و قالت : قطعاً، إذا أتيت ليلاً ... ثم طارت بعيداً ولفها الظلام .............


****